أسباب الإعاقة العقلية – الجزء الأول

أسباب الإعاقة العقلية
أسباب الإعاقة العقلية

أسباب الإعاقة العقلية تحدث في الغالبية العظمى نتيجة لعدة عوامل متشابكة كالتالي :

 قد يرجع التخلف العقلي إلى حالة وراثية معقدة غير واضحة.

 قد يكون التخلف العقلي راجعاً إلى عوامل بيئية لا يتوافر فيها للفرد الإستثارة الذهنية الملائم, أو لا تتوفر العلاقات الإجتماعية المناسبة التي تسمح بالنمو الملائم.

 قد تؤدي بعض الإضطرابات الصحية أو الأمراض إلى نوع من التلف البسيط في المخ إلى الحد الذي لا يكون فيه التلف ملحوظاً عند البعض, مثل حالات سوء تغذية الأم الحامل, عدم العناية بالأم و الجنين بشكل ملائم .

وبصفة عامة فتقدر نسبة العوامل الوراثية المسببة للإعاقة العقلية بحوالي 80% بينما تقدر العوامل البيئية المسببة للإعاقة العقلية بحوالي 20%.

ويمكن تصنيف أسباب الإعاقة العقلية على أساس المرحلة الزمنية التي حدثت الإعاقة فيها إلى ثلاثة مراحل هي :

مرحلة ما قبل الولادة ( أثناء فترة الحمل ) .

مرحلة الولادة .

مرحلة ما بعد الولادة .

أسباب الإعاقة العقلية

أولاً : أسباب الإعاقة العقلية في مرحلة ما قبل الولادة:

يمكن تقسيم عوامل وأسباب الإعاقة العقلية في مرحلة ما قبل الولادة إلى قسمين أو إلى مجموعتين من العوامل وذلك كما يلي :

العوامل الجينية.

العوامل غير الجينية ( بيئية ).

العوامل الجينية تنقسم إلى :
أ- الوراثة .
ب- الخلل في الكروموسومات .

العامل الأول وهو الوراثة :

تعد الوراثة السبب الأول من أسباب الإعاقة العقلية لأنها المسؤولة عن حوالي ( 80% ) من حالات الإعاقة العقلية كما تم ذكرها من قبل, وقد تكون العوامل الوراثية إما بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة, أي قد تكون نتيجة للجينات السائدة أو نتيجة لجينات متنحية يحملها الأم والأب معاً, والتي سنوضحها لاحقاً.

وكما هو معروف فإن صفات الفرد كالطول ولون الشعر ولون العينين وشكل الأنف وغير ذلك من الآف الصفات الأخرى تحددها الجينات التي تحملها الكروموسومات الموجودة في نواة الخلية البشرية, ويقدر العلماء أن كروموسومات الإنسان تحمل ما بين ( 60,000 – 100,000 ) جين نصفها يأتي من الأب والنصف الآخر يأتي من الأم, ونتيجة لتفاعل هذه الجينات مع بعضها البعض تتولد الصفات الوراثية التي تحدد صفات الفرد من مختلف النواحي.

وتوجد مجموعة من الجينات لها صفات ضارة و غير مرغوبة, ولكن لحسن الحظ فإن نسبة انتشار هذه الجينات الضارة بين الناس قليلة جداً, وبعضها نادر جداً, وبالتالي فإن احتمال تزاوج رجل يحمل أحد الجينات الضارة مع امرأة تحمل نفس الجين الضار هو في العادة احتمال نادر جداً.

غير أن العائلات المختلفة تتوارث في العادة جينات معينة وتنقلها من الأجداد و الآباء إلى الأبناء, ومن هنا فإن زواج الأقارب يسهم في توفير كل الظروف المناسبة لتوارث هذه الجينات الضارة و ظهورها في الأبناء أكثر بكثير مما هو عليه الحال في حال الزواج من خارج العائلة. 

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن تلك الجينات وما تحمله من صفات وراثية تأخذ إحدى الأشكال هي :
الجينات السائدة : وتعرف بالصفات الوراثية السائدة لأنها قوية وتحمل صفات مرغوب فيها ويكفي وجود جين واحد لظهورها أحياناً .

الجينات المتنحية : وتعرف الصفات الوراثية المتنحية على أنها صفات وراثية تحمل صفات مرغوبة أو غير مرغوبة, وسميت متنحية لأنها لم تظهر في الآباء ولكنها ظهرت في الأبناء, ولابد من توفر الجين المتنحي لدى الأبوين معاً لظهور أثره في المولود.

الخلية الطبيعية يوجد بها ( 46 ) كروموسوم ( 23 ) للأب, ( 23 ) للأم .

التخلف العقلي قد يكون موروثاً عن طريق الجينات الوراثية السائدة, وفي هذه الحالة توجد الصفات السائدة لدى كل من الأب و الأم .

أو قد ترجع نتيجة للجينات الوراثية المتنحية, وفي هذه الحالة لابد من وجود الجين المتنحي لدى كل من الأب و الأم معاً حتى يتورثه الجنين ( شرط مهم ), وبالتالي فإن تورث الجنين للتخلف العقلي من والديه في إحدى الحالات التالية:

و للتوضيح يمكن أن نرمز للقدرة العقلية بالرمز ( M ) كصفة سائدة, وبالرمز ( m ) كصفة متنحية.

الحالة الأولى - شكل رقم (1)
الحالة الثانية - شكل رقم (2)
الحالة الثالثة - شكل رقم (3)

العامل الثاني الذي يمكن أن نناقشه تحت هذا عنوان أسباب الإعاقة العقلية هو الخلل في الكروموسومات :
الذي قد يحدث عند انقسام الخلية, حيث يحدث خطأ في انقسام الخلية, فكما ذكرنا سابقاً أن الخلية الطبيعية عند انقسامها تحتوي على ( 23 ) زوج من الكروموسومات أي ( 46 ) كروموسوم, أما في حالة الخلل في انقسام الخلية كما في حالة المنغولية فإن (الكروموسوم رقم 21 ) يظهر عند الإنقسام ثلاثياً بدلاً من ثنائياً وبالتالي يصبح عدد الكروموسومات في الخلية ( 47 ) بدلاً من ( 46 ) كما هو موضح في الشكل التالي ( شكل4 ) , أما الكروموسوم رقم ( 23 ) فهو المسئول عن الجنس ( صفات الذكورة أو الأنوثة) .

ويرجع الباحثين والعلماء في مجال التخلف العقلي سبب ثلاثية الكروموسوم رقم ( 21 ) نتيجة لزيادة عمر الأم عند الإنجاب, هذا بالإضافة إلى التعرض للإشعاعات والمواد الكيميائية.

شكل ( 4 ) يوضح ثلاثية الكروموسوم رقم ( 21 )
ب- العوامل غير الجينية ( البيئية ) :

 وتشمل هذه العوامل مجموعة واسعة من الأسباب التي قد تكون سبب من أسباب الإعاقة العقلية و تؤثر في الجنين؛ فتؤدي إلى إصابته بالإعاقة العقلية, و يبدأ تأثير هذه العوامل في العادة منذ لحظة الإخصاب وحتى لحظة الولادة, و فيما يلي عرض لأبرز العوامل التي قد تؤثر على الحالتين في مرحلة ما قبل الولادة:

1- الأشعة
هناك فرق بين الأشعة والإشعاعات: فالأشعة هي التي تستخدم في المحال الطبي, أما الإشعاعات فهي الناتجة عن المفاعلات النووية والقنابل الذرية والنووية وما ينتج عن المصانع التي تدار بالطاقة الذرية والنووية.

تؤثر الأشعة تأثيراً ضاراً بالجنين إذا ما تعرض لها و خصوصاً في الأشهر الثلاث الأولى من الحمل.
وتستخدم الأشعة السينية في معظم المستشفيات, و العيادات, وذلك لأغراض التشخيص, ويبدو أثر هذه الأشعة قليلاً على الفرد إذا ما تعرض لها مرة في العمر, ولكن المشكلة تبدو في تعرض الأفراد لهذه الأشعة بكميات كبيرة, وعلى ذلك فإن أثر هذه الأشعة يتوقف على عدد من العوامل أهمها:

جرعة أو حجم الأشعة: و يقصد بذلك كمية الأشعة السينية التي يتعرض لها الفرد, فهناك علاقة طردية بين حجم أو جرعة الأشعة السينية وأضرارها المتعددة.

العمر الزمني للفرد: و يقصد بذلك المرحلة العمرية التي يتعرض فيها الفرد إلى تلك الأشعة, وأخطر مراحل العمر تأثراً بالأشعة السينية هي مرحلة ما قبل الولادة, وخاصة الثلاث أشهر الأولى من الحمل.

الآثار المرضية للأشعة السينية : تبدو الآثار المرضية للأشعة السينية في قائمة من الأمراض و الاضطرابات أهمها:

الإعاقات بأنواعها وأشكالها : ومنها الإعاقة العقلية, السمعية, البصرية, الحركية, وتعمل الأشعة السينية على انقسام الخلايا بطريقة غير عادية, كما تعمل على إحداث تلف في الجهاز العصبي المركزي للجنين, وخاصة في الأشهر الثلاث الأولى من الحمل, ويبدو أثر الأشعة السينية أقل ضرراً على الجنين في أشهر الحمل الأخيرة بسبب قرب اكتمال مظاهر النمو الجسمي والعقلي للجنين, مقارنة مع الأشهر الثلاث الأولى من عمر الجنين.

اللوكيميا : أو ما يعرف باسم سرطان الدم, حيث تعمل الأشعة السينية على إصابة الأجنة و الأطفال فيما بعد بأنواع من السرطان, ومنها سرطان الدم.
التشوهات الخلقية للجنين : و خاصة حالات استسقاء الدماغ, وكبر حجم الدماغ وصغر حجم الدماغ, وحالات تشوهات العمود الفقري.

الإجهاض : وخاصة إذا ما تعرضت الأم للأشعة السينية في الأشهر الثلاث الأولى من الحمل. وعلى ذلك ينصح الأمهات الحوامل بعدم التعرض للأشعة السينية, وعليها التأكد من وجود الحمل من عدمه قبل التعرض لتلك الأشعة.

الطفرات الوراثية : و تبدو آثارها في إصابة الموروثات المحمولة على الكروموسومات لدى الذكور و الإناث, ويبدو ذلك في تغير تركيب تلك المورثات و إحداث خلل فيها, مما يؤدي إلى نواتج مرضية و غير عادية.

الحصبة الألمانية :
الحصبة الألمانية هي أحد أخطر الأمراض التي يمكن أن ينتقل تأثيرها من الأم إلى الجنين, ويعتمد مدى احتمال إصابة الجنين وشدة إصابته بهذا المرض على عمر الجنين عند الإصابة, فقد تبين أنه عند إصابة الأم بالحصبة الألمانية في الشهر الأول من الحمل؛ فإن إصابة الجنين تكون في حدود ( 50% ) وتقل النسبة إلى حوالي(22%) إذا حدثت الإصابة خلال الشهر الثاني من الحمل, أما الإصابة خلال الشهر الثالث من الحمل فإن احتمال تأثير ذلك على الجنين هو في حدود ( 6% ) فقط, وتقل النسبة بعد ذلك تبعاً لزيادة عمر الجنين .
و تؤثر الحصبة الألمانية تأثيراً سيئاً على الجنين في حالة إصابته؛ إذ أنها من الممكن أن تؤدي إلى فقدان السمع والبصر, وإلى إصابة القلب بأضرار, وكذلك تلف الدماغ المرتبط بأنواع من التشوهات الخلقية مثل صغر حجم الدماغ, و الإلتهاب السحائي واستسقاء الدماغ, و يرتبط ذلك كله بالتخلف العقلي.
وللوقاية من هذا المرض يتم تطعيم الفتيات ضد الحصبة الألمانية.
الزهري الولادي ( السفلس ) :
قد كان هذا المرض في الماضي يعد واحداً من الأسباب الرئيسية التي تؤثر في الجنين قبل الولادة و تؤدي إلى إصابته بالتخلف العقلي بالإضافة إلى تشوهات أخرى, ولكن في الوقت الحالي و بعد التقدم العلمي في مجال الكشف عن هذا المرض عند الأم الحامل عن طريق فحص الدم و فعالية معالجة هذا المرض فلم يعد بنفس الدرجة من الخطورة كما كان عليه الحال في الماضي.

اختلاف العامل الريزيسي في دم الوالدين :
يعرف العامل الريزيسي على أنه انتيجين موجود في الدم ( فصيلة الدم إما أن تكون سالبة و إما أن تكون موجبة ). ويبدو أثر العامل الريزيسي في حالة واحدة وهي اختلاف هذا العامل بين الأب و الأم. وبسبب ظهور العامل الريزيسي بشكل موجب لدى الأب وبشكل سالب لدى الأم, وبسبب سيادة العامل الموجب, فسوف يظهر العامل الريزيسي لدى الجنين موجباً, وفي هذه الحالة سوف يختلف العامل الريزيسي للأم عنه لدى الجنين, الأمر الذي يؤدي إلى إطلاق الأم لمضادات لكريات الدم الحمراء لدى الجنين بحيث يدمرها, مما يؤدي إلى حالة من تميع الدم لدى الجنين, وقد تصل إلى مستوى تسمم الدم بسبب عجز كبد الجنين لتمثيل تميع الدم, و هذا الأمر قد يؤدي إلى تلف أو خلل في الخلايا الدماغية.

وقد أمكن لمجموعة من العلماء هم فريد ( Fred ), و جورمان ( Gorman ), و بولاك ( Pollak ), من إنتاج مركب يحتوي على جاما جلوبين وقدموه للجمهور عام ( 1968م ) تحت أسم ( Rh- RhoGAM ) حيث تحقن به الأم التي أنتجت مضادات (الأجسام المضادة ) والذي يعمل على تحرير دمها من هذه المضادات, و بالتالي لا تصادف في حملها التالي مشكلة اختلاف دمها عن دم الجنين, ويجب أن يكون الحقن بعد كل وضع ( أو إجهاض ) وخلال ( 72 ) ساعة, أي لا يتجاوز اليوم الثالث من الوضع أو الإجهاض. 

 

أسباب الإعاقة العقلية

تعاطي العقاقير والأدوية أثناء الحمل :
لعل أغلبية الأمهات حالياً يدركن خطورة تناول العقاقير و الأدوية أثناء فترة الحمل و خاصة خلال أشهر الحمل الأولى
( الثلاث أشهر الأولى من الحمل ) ولعل ما حدث في أوروبا في الستينات من القرن الماضي فيما يتعلق بعقار الثاليدوميد وما أدى إليه من ولادة ما يزيد عن ( 3600 ) طفل من المصابين بتشوهات خلقية نتيجة تناول أمهاتهم لمثل هذا العقار أثناء فترة الحمل, لعل ذلك يعطي واحداً من أبرز الأمثلة على خطورة هذا الأمر, وقد أصبح الآن معروفاً في الأوساط الطبية ان عدداً من العقاقير والأدوية يمكن أن تؤدي إلى التأثير سلبياً على نمو الجنين إذا تناولتها الأم الحامل, وخاصة خلال الأشهر الأولى من الحمل.

وتذكر المراجع العلمية والنشرات الإعلامية قائمة بتلك العقاقير والأدوية ومنها :
الأدوية المهدئة ومنها : مادة الثاليدوميد , والأسبرين والفاليوم.

المضادات الحيوية ومنها : كل المضادات الحيوية التي توصف للمريض, والتي تعمل على قصف فيروس المرض الذي يتسبب في العديد من الأمراض و الإلتهابات.

الهرمونات ومنها : كل المواد الكيمائية التي تعمل على تنشيط الغدد أو إنقاص نشاطها, وخاصة الهرمونات الجنسية, وتلك الهرمونات المتعلقة بنشاط الغدة الدرقية.

العقاقير والمخدرات ومنها : الكوكايين , والهيروين والمورفين .

وتبدو آثار هذه العقاقير و الأدوية في العديد من مظاهر النمو غير العادي لدى الأجنة ومنها :
الإعاقة العقلية, وحالات صغر أو كبر حجم الدماغ.
الإعاقات الأخرى كالإعاقة البصرية أو السمعية أو الحركية والشلل الدماغي.
الإجهاض, والولادة المبكرة.

الإدمان على الكحول :
يؤثر إدمان الأم على الكحول في فترة الحمل تأثيراً سيئاً على الجنين, وقد اكتشفت أعراض إصابة الجنين نتيجة إدمان الأم على الكحول في فترة الحمل مؤخراً نسبياً, وذلك في عام ( 1973م ), وسميت هذه الأعراض بالأعراض الكحولية للأجنة و تتمثل هذه الأعراض بنقص النمو و تشوهات في الوجه و الجمجمة وعيوب في الأطراف بالإضافة إلى التخلف العقلي البسيط وأحياناً الشديد.

وقد أشارت نتائج بعض الدراسات إلى الآثار السلبية لإدمان الأم الحامل للكحوليات على الجنين, والتي نذكرها فيما يلي :
التشوهات الجسمية لدى أطفالهن.
تدني القدرة العقلية.
تزايد معدل الوفيات لدى الأطفال.
مشكلات واضحة في مظاهر النمو العام و خاصة في مظاهر الطول و الوزن.

وتبدو تلك المشكلات المتعلقة بالنمو الجسمي أكثر وضوحاً لدى أطفال الأمهات المدمنات على الكحول و المدخنات بشكل مزمن.
وعلى ذلك لا تنصح الأمهات الكحوليات على الحمل إلا بعد برامج وقائية محددة, كما لا تنصح الأمهات الحوامل بتعاطي أية أدوية أو عقاقير إلا بمشورة الطبيب المختص.

الأمراض المزمنة عند الأم :
كثير من الأمراض المزمنة عند الأم الحامل قد تؤدي إلى أضرار تصيب الجنين, وعلى سبيل المثال فإن ضغط الدم الزائد والسكري و مرض الكلى تضيف تعقيدات و أخطار إضافية بالنسبة للجنين.

إلى هنا يكون انتهى الجزء الأول من مقال “أسباب الإعاقة العقلية” ولمتابعة القراءة للجزء الثاني فبإمكانك الضغط هنا

للتواصل والاستشارات

ويسعدنا تواصلكم معنا على أحد الوسائل التالية:

مقالات طبية و نفسية و تربوية و سلوكية منهجية

مقالات طبية علمية متنوعة تهدف لتوعية ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم وإرشادهم وتثقيفهم للتعامل معهم بالشكل الصحيح